فُتحت ملايين من الوثائق النازية للعموم
الصفحة الرئيسية
طباعة
المجموعة الإعلامية
18 نوفمبر 2006
باد أرولسن, ألمانيا
جلس الروسي البالغ من العمر 21 سنة أمام موظف مكتب القضاء والمحامات للجيش الأمريكي واصفاً الجحيم بأوشفيتز, محتشد القتل النازي أين كان أسيراً حتى بعض الأسابيع سابقاً.
"شاهدت بأم أعيني كيف كان ألاف من اليهود يُخنقون بواسطة الغاز يومياً ثم يُرمى بهم بالمئات في حفر حيث يتم حرقهم."
وقال "رأيت كيف كان الأطفال الصغار يُقتلون بواسطة الأعمدة ثم يُرمى بهم في النار", ثم واصل قائلاً "سالت قنوات من الدم وكان يُرمى باليهود هناك ويموتون هناك", وكان أغلبهم يُنزّلون من العربات ويُرمى بهم أحياءً في النار.
تُعرف المحرقة اليوم بتفاصيل كثيفة ومؤلمة لكن كلمات ذلك الشاب الروسي اخترقت النسيان, صفحة البشرة البيضاء والحمراء التي تعود بالقارء إلى أبريل 1945 عندما كانت الحرب العالمية الثانية مازالت رحاها والعالم مازال يعلم إلاّ القليل عن غرف الغاز والإبادة والحل النهائي.
الصفحتان من الشهادة في ملف رُصّف بطريقة عفوية بالأرفاف هما من ضمن ملايين الوثائق التي احتفظت بها الخدمة الدولية لتقصي الحقائق, ITS, وهي فرع للجنة العالمية للصليب الأحمر.
هذا الأرشيف الشاسع ـ 16 ميل من الملفات داخل ستة مباني غير موصوفة في ألمانيا ـ تحتوي أكثر التسجيلات للإعدامات النازية منذ الوجود. وبسبب الاهتمام بسرية الضحايا تركت الخدمة الدولية لتقصي الحقائق الملفات مغلقة أمام العموم لمدة نصف قرن وأعطت كميات محدودة من المعلومات للناجين أو أقاربهم بطريقة صارمة حسب احتياجاتهم لمعرفة ما هو أساسي.
هذه السياية التي ولّدت الكثير من الشعور بالاستياء ضمن الناجين من المحرقة والباحثين, هي على وشك التغيير.
في شهر مايو وبعد سنوات من الضغط قبل الولايات المتحدة ومجموعات الناجين اتفقت 11 دولة مراقبة للأرشيف على وضع الملفات تحت ذمة النقاد والضحايا وعائلاتهم. وفي الأسابيع الأخيرة ذهب المدير المؤقت للخدمة الدولية لتقصي الحقائق جون لوك بلوندال إلى واشنطن وهاج وإلى ذاكرة بوخنوالد حاملاً معه خطايا للتعاون مع مؤسسات وحكومات أخرى للمحرقة.
سمحت الخدمة الدولية لتقصي الحقائق لباول شابيرو من متحف ذكرى الهولوكوست بواشنطن بالنظر في الملفات وفسحت أيضاً للجمعيات الإعلامية بالدخول بشرط أن لا يقع الكشف عن أي إسم إلاّ إذا تم التعرف عليه في مصادر أخرى.
"إنه شيء قوي", قال شابيرو متصفحاً ملفاً يحتوي على الوضع الروسي وعلى بعض مئتي شهادة التي تحمل القارء إلى جوهر آلة هتلر للقتل ـ محتشداتها ونزلاءها وقاداتها والجلادين والنزلاء الموثوق بهم استُعملوا كأعوان حراسة من الدرجة السفلى وعُرفوا باسم كابو.
وقال "لو تجلس هنا ليوم واحد وتقرأ هذه الملفات سوف تتبين صورة ما كان يجري حقيقةً داخل المحتشدات وكيف كان الناس يُعاملون. أنظر ـ أسماء وأسماء للكابو والحراس ـ المذنبين الصغار.
بالانتقال إلى هذه المدينة في قلب ألمانيا بعد الحرب احتلت الملفات مقراً سابقاً لقوات الأمن الخاصة المسلحة, قوة حزب النخبة النازي. لقد خُزنوا داخل ممرات لمراكز مظلمة وجُمعوا بطريقة منظمة وعُلبوا بأرفاف حديدية تمتد من الأرض إلى السقف. وكانت بطاقات الدلالة وحدها تملأ ثلاث غرف شاسعة.
فكلفت الخدمة الدولية لتقصي الحقائق بتعقب الأشخاص المفقودين وإعانة إعادة تجميع العائلات وسمحت لقليل الناس عبر أبوابها وأجابت عن مطالب المعلومات عن ضحايا زمن الحرب حتى ولو كان بالإمكان الإدلاء بأكثر من ذلك.
قد يستغرق فتح الملفات سنة كاملة أو أكثر. حتى ذلك الحين يبقى الحصول عليها محدودة جداً. وقال بلوندال "سنكون جاهزين في أي وقت. سنفتحها اليوم إذا كانت لدينا المثابرة."
عندما يصبح الأرشيف متوفراً سيكون للباحثين فرصتهم الأولى لرؤية المجموعة الوحيدة من وثائق حول محتشدات الاعتقال ومحتشدات عمل العبيد والأشخاص المرحلين. قد يستطيع المؤرخ الماهر أن ينسج من قوائم مهملة وشهادة محزنة أبعاداً جديدة لأحلك سنوات القرن العشرين من خلال وجهة نظر
ملايين من الضحايا.
قال يهودا باور وهو أستاذ دراسات المحرقة بالجامعة العبرية بالقدس "القصة في مجملها تحتل موقعاً مهماً لكن سوف يقع اقحام العديد من التفاصيل."
"هناك كمية هائلة من المعلومات المهمة حول عدد كبير من محتشدات الاعتقال والتي في حقيقة الأمر لا نعرف عنها الكثير", وقال أيضاً "لا ندري ربما كانت تحتوي على مفاجئات فبها معلومات لم يطلع عليها أحد."
فالزائر للأرشيف يتوصل مباشرة إلى بيروقراطية القتل الجماعي.
ظهرت داخل سجل غلاف محير نسجة لقائمة أسماء يهود جُمّعوا بهولندا ثم وقع نقلهم إلى محتشدات الموت ومن ضمن الأسماء المغمورة وجود اسم "أناليزا م. فرانك" وتاريخ ميلادها (12 يونيو 1929) وعنوانها بمدينة أمستردام قبل أن تختبئ Merwedeplein 37 وفي تاريخ ذهابها إلى محتشد الاعتقال (3 سبتمبر1944).
أناليزا م. فرانك هي أنّا فرانك.
لقد كانت على متن آخر القطارات المتجهة إلى ألمانيا قبل زحف الاحتلال النازي على هولندا. وبعد مضيّ ستة أشهر وبلوغها السن 15 ماتت موتة مجهولة فهي واحدة من بعض 35 ألف ضحية التي أهلكها وباء التيفوس بمحتشد بارجين بالزين. وأصبح كتاب "مذكرات أنّا فرنك" بعد الحرب أكثر الكتب حول المحرقة قراءة والذي كُتب خلال 25 شهراً الذي اختفتهم داخل شقة صغيرة رفقة سبعة آخرين.
لكن أغلب الباقين على قيد الحياة الذين سُجلوا بباد أرولسن لا يعرفهم أحد سوى عائلتهم.
إنهم أناس أمثال كورناليس مارينوس بروفينسفين وهو هولندي اختفى فجأة داخل "الجولاج النازي" في سن 22 بتهمة امتلاك جهاز راديو. وعُثر داخل رسالة واضحة على صورته ومحفظة أوراقه وبعض الصور ونكة كُتبت بالآلة الراقنة حول النساء بالجيش.
أعادت عائلته الاتصال بالصليب الأحمر بعد الحرب لتسأل عنه. وفي عام 1949 تلقى والده رسالة قاسية بعلمهم بوفاته في الفترة ما بين 19 أبريل و3 مايو 1945 بمحتشد للعمل بمنطقة بألمانيا إلاّ أن أغراضه الشخصية بقيت بباد أرولسن مع وفاة كافة العائلة. لم يبق شخص باسترجاعها.
وعندما اتُّهم الصليب الأحمر والخدمة الدولية لتقصي الحقائق بالشح في تقديم المعلومات ردوا بأن عليهم الالتزام يسرية القوانين الألمانية وحماية صمعة الضحايا سوى أن كانوا أحياءً أم أمواتاً. كما قالوا بأن بعض الملفات قد تحتوي على اتهامات باطلة ضد الضحايا وفتحها للباحثين يحيد الخدمة الدولية لتقصي الحقائق عن مهمتها الأساسية المتمثلة في توفير الوثائق للناجين أو أقارب الضحايا.
إحدى مجالات الدراسة التي سوف تستفيد من ملفات الخدمة الدولية لتقصي الحقائق هو برنامج Lebensborn الذي
ينص على أن الأطفال الذين يُتوقع أن تكون لهم جينات نقية يقع استبناءهم أو حتى خطفهم لتكاثر الجنس الآري المتفوق وفق أحلام هتلر.
الموضوع الآخر هو الإيطار الشاسع لمنظومة المحرقة. فستساعد الملفات على البحث من مصادر أخرى لتبين أن شبكة محتشدات الاعتقال والأحياء اليهودية ومحتشدات العمل كانت تقريباً ثلاث مرات أوسع وأكبر مما كان يُعتقد. توقع مؤرخو ما بعد الحرب ما يقارب 5 آلاف إلى 7 آلاف موقعاً للإيقاف. لكن بعد انتهاء الحرب الباردة توافدت المعلومات بغزارة من الدول الشيوعية السابقة في شرق أوروبا. وتم الكشف عن أكثر عدد من الملفات في السنوات الستة الأخيرة بطلب من 1,6 مليون شخص لتعويضهم عن العمل الاستعبادي الشاق بمبلغ قيمته 6,6 مليار دولار دُفع من قبل الحكومة الألمانية ومن 3 آلاف مصنع.
قال جيوفري ميجارجي من متحف ذكرى الهولوكوست بواشنطن الذي بصدد إعداد موسوعته المتكونة من سبعة مجلدات عن مراكز الاعتقال "لقد تمكنا من تحديد 20 ألف محتشد وحي يهودي من الأصناف المختلفة في مكان نجاور."
يحتوي الأرشيف على حولي 3,4 مليون ملف حول الأشخاص المشردين داخلياً. وتتضمن الملفات أسماءً مثل جون ديميانيوك وفيوريل تريفا الذان هاجرا إلى الولايات المتحدة وأصبحا بعد ذلك معروفان عالمياً لأن دورهما في المحرقة أصبح محل سؤال.
ارتفع الاضتهاد النازي إلى أعلى مستواه في الفترة بين 1933 و1945. فتم ذبح 6 مليون يهودي ونفس العدد من الغجر والشواذ والمرضى عقلياً والسجناء السياسين وغيرهم من "الغير مرغوب فيهم". وتم تجند عشرات الملايين للأعمال الشاقة.
استنبط النازييون لإدارة أكبر مذبحة عرفها التاريخ بيرقراطية تسجل بدقة فائقة عملية الإيقاف والحركة والموت لكل ضحية. وفي أحيان أخرى تم كذلك إحصاء حتى الحشرات المنفصلة عن الرؤوس داخل المحتشدات.
ولكن عندما ازدادت سرعة تنفيذ الإبادة تم نقل عدد مجهول من السجناء مباشرة من القطارات إلى غرف الغاز دون تسجيلهم. وخلال الأشهر الأخيرة من الحرب انهار مسك الدفاتر بالرغم من استمرار الإبادة.
أما الوثائق التي نجت من محاولات النازيين لإتلافها فقد تم جمعها من قبل الحلفاء لمساعدة الناس على إيجاد أقاربهم المفقودين. فتم إرسال الوثائق الأولى في سنة 1946 إلى باد أرولسن ثم تولى الصليب الأحمرإدارتها سنة 1955.
وتشيرنا حوالي 50 مليون صفحة ـ قطع صغيرة من الأوراق وقائمة النقل وكتب التسجيل ووثائق العمل ودفاتر الصحة والموت ـ إلى 17,5 مليون شخص ابتلعتهم آلة الإعدام والترحيل والموت.
مع مرور السنوات قامت الخدمة الدولية لتقصي الحقائق بالاستجابة لحولي 11 مليون طلب لأفراد العائلات المحلية أو تمكينهم من شهادات تساعدهم عن المطالب بالسكن أو التعويض. وتقول الخدمة الدولية لتقصي الحقائق أنها تمكنت من النجاح بالنسبة 56% في تتبع وإيجاد الاسم المطلوب.
لكن العمل كان أكثر من الطاقة. فقبل سنتين كانت النسبة الهائلة للطلبات الغير مستجاب لها حولي نصف مليون حيث قال المدير بلوندال بأن العدد انخفض إلى 155 ألف خلال هذا الصيف وسوف يختفي بحلول ربيع 2008. وقع التسريع في النظر إلى طلبات جديدة إلى 700 طلب في الشهر.
واحدة من متفقدي الخدمة الدولية لتقصي الحقائق هي سبينا شتاين, الأرشيفية بمحتشد بوخينوالد, 150 ميلاً من باد أرولسن. وقالت أن رفض الأرشيف بالتشارك في الملفات سبب آلاماً لعدد غير محدد من الناجيين وأتباعهم. فعلى سبيل المثال طلبت أميليا يانينوفسكا سنة 1989 من الخدمة الدولية لتقصي الحقائق بتتبع مصير والدها لودفيج كامينسكي عامل بالمناجم من بولندا والذي لم يُسمع عنه شيء منذ القبض عليه سنة 1939. لقد استغرقت الاجراءات أكثر من ثلاث سنوات ليتم بعد ذلك بعث شهادة تنقل بأن كامينسكي قد توفي في بوخينوالد في 1 ديسمبر 1939.
لكن هناك المزيد من الذي يمكنها الاطلاع عليه.
ففي الوثائق التي نسخها الجيش الأمريكي قبل إرسالها إلى باد أرولسن والتي شاهدتها المجموعة الإعلامية ببوخينوالد ـ هناك ذكر لكامينسكي. وقيل أنه الأسير رقم 8578 والذي كان قد وصل إلى بوخينوالد قبل ستة أسابيع بمعية ستمائة آخرين من البولنديين ثم وُضع بالمحتشد رقم 2. تروي القصة المعروفة عن بوخينوالد أن محتشد رقم 2 كان من الخشب وكانت به أربع خيم كبيرة ملئة بألف بولندي ويهود مدينة فيينا. ومات العديد من السجناء بشدة برد ذلك الشتاء لكن سبب موت كامينسكي هو مرض التهاب الرئتين.
ولم يقل أحد شيئاً لإبنته عن هذا. عندما اتصلنا بها بمنزلها في كراكوف ببولندا قالت يانيكوفسكا "لا توجد لدينا أخبار عن والدي منذ لحظة القبض عليه." فهي تريد الآن أكثر معلومات قصد طلب التعويض.
قالت الأرشيفية شتاين "ذهب السجناء القدامى وعائلاتهم لمشاهدة أزجاء ملموسة من تاريخهم: يرودون رواية قصصهم." وأضافت "ما أجده محبط جداً هو أنهم كلهم لديهم المعلومات لكن لم يقدروا عن فعل شيء بها."
في بداية هذا الشهر خطت الخدمة الدولية لتقصي الحقائق إلى الأمام لإصلاح بعض الأخطاء وتطوير عملها وأصدرت إحصائية كاملة عن تسجيلاتها ووعدت بإعطاء الأولوية للبحث عن ألف إسم طلبتهم شتاين.
إن التركيب المعقد للجنة الحاكمة يسبب استمرار تأخر نشر الملفات. أي قرار يخص تلك الملفات يتطلب موافقة 11 دولة عضوة ـ بلجيكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليونان وإسرائيل وإيطاليا ولكسومبورخ وهولندا وبولندا والولايات المتحدة.
اشترطت اتفاقية مايو السابق بالنسبة لفتح الأرشيف أن تبقى دون تحديدات حتى مصادقة أخرى من قبل الـ 11 دولة. وتستطيع بعد ذلك هذه الأخيرة على الحصول على نسخة رقمية عن الملفات وتحدد من له الحق في الاطلاع عليها.
إلا أن العديد من الوفود محتارة لأن الإجراء يدوم طويلاً في حين يموت الناجون كل يوم.
قال شابيرو من متحف ذكرى الهولوكوست بواشنطن وهو مسؤول عن المحادثات "كل ما يخشاه ضحايا هذه الجرائم هو أن عندما يموتون ـ وهذا ما يحصل الآن ـ لا يوجد شخص يتذكر أسماء العائلات المفقودة."
وقال أيضاً "إنه ليس بجدول عمل دبلوماسي وليس بجدول عمل أرشيفي لكنه جدول إحصاء. إذا لم ننجح في الحصول على هذه المادة للعموم ما دام لدينا الناجون على قيد الحياة فإننا فشلنا.
MMVI © , المجموعة الإعلامية. جميع الحقوق محفوظة. هذه المادة لا يمكن أن تُنشر أو تُذاع أو يُعاد كتابتها أو يُعاد توزيعها.
الصفحة الرئيسية
طباعة